الشنقيطي

113

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ففي الآية الأولى تمنوا نزول سورة يؤذن فيها بالقتال ، فلما نزلت صار مرضى القلوب كالمغشي عليه من الموت . وفي الثانية : قيل لهم كفوا أيديكم عن القتال ، فتمنوا الإذن لهم فيه ، فلما كتب عليهم رجعوا وتمنوا لو أخرجوا إلى أجل قريب . وفي الثالثة : أعطوا العهود على الثبات وعدم التولي ، وكان عهد اللّه مسؤولا ، فلما كان في أحد وقع ما وقع وكذلك في حنين ، ويشهد لهذا أيضا قوله تعالى : وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً ( 13 ) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً ( 14 ) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ [ الأحزاب : 13 - 15 ] الآية . ففي هذا السياق بيان لعتابهم على نقض العهد ، وهو معنى : لم تقولون ما لا تفعلون سواء بسواء ، ويقابل هذا أن اللّه تعالى امتدح طائفة أخرى منهم حين أوفوا بالعهد وصدقوا ما عاهدوا اللّه عليه في قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ الأحزاب : 23 ] . ثم بين الفرق بين الفريقين بقوله بعدها لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 ) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً [ الأحزاب : 24 - 25 ] الآية ، وذلك في غزوة الأحزاب . فتبين بهذا أن الفعل المغاير للقول هنا هو عدم الوفاء بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم من قبل فاستوجبوا العتاب عليه ، كما تبين أن الذين وفوا بالعهد استوجبوا الثناء على الوفاء ، وقد استدل بالآية من عموم لفظها على الإنكار على كل من خالف قوله فعله ، سواء في عهد أو وعد أو أمر أو نهي . ففي الأمر والنهي كقوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 44 ] . وكقوله عن نبي اللّه شعيب لقومه : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ [ هود : 88 ] . وفي العهد قوله : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا ( 34 ) [ الإسراء : 34 ] . ومن هذا الوجه ، فقد بحثها الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه في عدة مواضع ، منها